الحلف لا يعني القسم واليمين ، ولكن الحلف يعني الكذب و نقض ونكث القسم واليمين.
إن مسألة الحلف هي من مسائل التحريف في فقه التراث المظلم، حيث أن أئمة التراث المظلم حرفوا معنى الحلف من القسم الكاذب إلى الحلف بمعنى اليمين والقسم الصادق، ثم يتمادى أئمة التراث المظلم ويحرفون بعض معاني القرآن كالفعل “ألى- يألوا- يُؤْلُونَ- إلا” الذي يعني ” منع وقصر” ليبدله إلى “حلف” ليكون بمعنى القسم الصادق، وذلك من أبشع تحريف المعاني ظلما أن تقول أن الكذب معناه الصدق.
أي أن فقه التراث المظلم يقوم بمراكمة التحريف بعضه فوق بعض كالظلمات بعضها فوق بعض، ولكن الحمد لله رب العالمين الذي حفظ القرآن الكريم ليكون نور يكشف به ظلمات كل تحريف للمعاني، وهدى لكل من شاء أن يهتدي.
يقول الله سبحانه وتعالى:
{وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ (10) هَمَّازٍ مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (11) مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12)} [سورة القلم 68 : 10-12]
(وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ ) حَلَّافٍ يعني دائم الحلف دائم الكذب و نقض القسم واليمين، الحلف يعني القسم واليمين وهو كاذب و عدم الوفاء باليمين والقسم، الحلف الذي يقسم دائما أنه سيفعل كذا وكذا وهو يعلم أنه كاذب ثم لا يوفي القسم، فهو ينفض وينكث ويحلف، الحلف صفة من صفات الذم والمذمة، أما الوفاء باليمين والعهد صفة من صفات الحسن والإستحسان.
الآيات السابقة تبين بتوالي صفات الذم في المنافقين ، وتنهى النبي عليه الصلاة وأفضل وأحسن السلام عن طاعتهم.
تتوالى صفات ذم المنافقين كالتالي: حلاف، مهين، هماز، مشاء بنميم، مناع للخير، معتد، أثيم.
ثم قام أئمة التراث المظلم بتزوير رواية ونسبوها للنبي تقول زورا ( من كان حالفا فليحلف بالله ) ليزوروا ويحرفوا معنى الحلف من صفة الذم والقبح والعيب في نقض العهد والقسم واليمين إلى صفة الإستحسان بأن الحلف تعني الوفاء بالعهد واليمين، كذلك التحريف والتزوير ليجعلوا الكذب و نقض العهد والقسم واليمين مثل الصدق و الوفاء بالعهد والقسم واليمين، ثم يمتد التحريف والتزوير إلى معاني مثل الفعل ” ألى – يؤلون – إلا” بمعنى قصر ومنع ، الذي يغير أحكام القرآن ويحرف معانيه ، على سبيل المثال في موضوع:
1- “الإيلاء”الذي يحكم أن تطلق الزوجة نفسها إن شاءت “{لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ۖ فَإِن فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [سورة البقرة 2 : 226] ” وذلك لخدمة منظومة إستعباد وإضطهاد النساء.
2- و موضوع أهل الذمة والذميين المزعوم على غير الحقيقة ” {كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً ۚ يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ} [سورة التوبة 9 : 8] “، وذلك لخدمة منظومة إستعباد وإضطهاد اليهود والنصارى, وحقيقة موضوع الآية خاص بالمشركين المعتدين على المسجد الحرام وسوف نبين ذلك في المقال القادم.
في السطور التالية سوف نبين بالآيات من القرءان حقيقة معنى (الحلف) وأنه من الصفات المقبوحة التي يخفيها المنافقين.
وأن الإستمساك بنور القرءان الكريم هو السبيل الوحيد للهدى.
كفارة الحلف هي كفارة عدم الوفاء باليمين، وذلك لقول الله ” ذَٰلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ “
عندما تقول لأحد إحلف وكأنك تقول له إكذب. ولكن أن تقول أقسم وكأنك تقول أصدق.
لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الْأَيْمَانَ ۖ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ۖ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ۚ ذَٰلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ ۚ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [سورة المائدة 5 : 89]
الحلف عدم الوفاء المبيت النية على الكذب: من صفات المنافقين الكذب،
يقول الله:
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا (61) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (62) أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (63)} [سورة النساء 4 : 61-63]
(وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول) ما أنزل الله ” القرآن” وإلى الرسول يعني حكم الرسول بالقرءان، ( رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا) تعني رأيت المنافقين يصدون عن الرسول يحكم بالقرآن صدودا، إن الله لم يفرق بين (ما أنزل الله والرسول ) لم يفرق بين القرءان والرسول، ولذلك يقول: يصدون عنك الكاف في ” عنك” ضمير مفرد يعود على الرسول ، ليعني حكم الرسول بالقرآن وحده.
(ثم جاءوك يحلفون بالله) المنافقون يكذبون ويحلفون.
والحلف هو القسم مع إخفاء تعمد الكذب.
يقول الله:
{لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَّاتَّبَعُوكَ وَلَٰكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ ۚ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [سورة التوبة 9 : 42]
(سيحلفون بالله) (والله يعلم إنهم لكاذبون)
يقول الله:
{وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ وَلَٰكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ} [سورة التوبة 9 : 56]
(ويحلفون بالله) (ولكنهم قوم يفرقون) المنافقون يحلفون بالله، لكنهم كاذبون يفرقون عن الأيمان الصادقة.
يقول الله:
{يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُوا مُؤْمِنِينَ} [سورة التوبة 9 : 62]
المنافقون يحلفون بالله أيمان كاذبة، المنافقون لم يكونوا مؤمنين.
يقول الله:
{وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ ۚ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَىٰ ۖ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [سورة التوبة 9 : 107]
المنافقون يحلفن ، إن المنافقين لكاذبون.
يقول الله:
{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم مَّا هُم مِّنكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (14) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ۖ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (15) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ (16) لَّن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا ۚ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (17) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ ۖ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ ۚ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ (18) [سورة المجادلة 58 : 14-18]
هؤلاء القوم كانوا يحلفون على الكذب ، والحلف كله يكون على غير الحقيقة، منه حلف بحسن النية وعليه كفارة، ومنه حلف المنافقين المقصود على الكذب ليحققوا من ذلك مكسب وهم يصدون عن سبيل الله. ، و كانوا يقسمون بالأيمان أمام الناس وفي باطنهم هم يعلمون أنهم كاذبون، فاتخذوا أيمانهم جنة ، جنة تعني تحقق مكسبا بالباطل، فصدوا عن سبيل الله لأنهم كانوا يبدون الإيمان ويقسمون بالأيمان ولكنهم يحلفون على الكذب فصدوا عن سبيل الله لأنهم لا أيمان لهم فلا إيمان ولا أمان لهم.
(فيحلفون له كما يحلفون لكم) ويحسبون أنهم على شيء أي يحسبون أنهم سوف يكذبون على الله وهو الذي يعلم ما يسرون وما يعلنون، ألا إنهم هم الكاذبون.
يقول الله:
وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَٰؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ ۙ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ ۚ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ} [سورة المائدة 5 : 53]
الناس يقسمون بالله وبالأيمان ولكن لا يعلم حقيقة القسم إلا الله ولذلك يخبرنا الله في القرءان أن المنافقين يحلفون يكذبون، ولكن الظاهر للناس أنهم يقسمون بالله, ولذلك ذكرت الآية ما ظهر للذين آمنوا من المنافقين، ” وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَٰؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ ۙ”.
وأما عن كفارة الحلف للذي أقسم أيمان معقودة حاضر فيها النية بالقلب ولكنه لم يقدر على الوفاء بها، فعليه كفارة وهذه الحالة تختلف عن حالة المنافق الحلاف الدائم نقض ونكث القسم بالله والذي يتكسب من الحلف والكذب ليخدع المؤمنين.
ولكن المؤمنين لا يحلفون بالله لأن الحلف كذب ولا يعلم الحلف إلا العليم الخبير، بل إن المؤمنين يقسمون بالله وسائر الناس يقسمون فذلك هو الظاهر من القول ولا يعلم السر إلا الله، والتعبير اللفظي الصحيح في لسان العرب أن الحلف دليل على الكذب وأن القسم دليل على الصدق. مما تبين من آيات القرءان.
يقول الله:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ ۚ تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۙ وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الْآثِمِينَ (106) فَإِنْ عُثِرَ عَلَىٰ أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ (107) ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَىٰ وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَن تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (108)} [سورة المائدة 5: 106-108]
وأما في الإجراءات الشرعية كالقسم بالشهادة على وصية الموصي، جعل التعبير ” فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ ” ، فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ ” ولم يجعل التعبير اللفظي ( فيحلفان بالله ) لأن الحلف كذب في القسم واليمين.